القرطبي
210
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
أي مخوف ، وخص الانذار بمن يخشى ، لأنهم المنتفعون به ، وإن كان منذرا لكل مكلف ، وهو كقوله تعالى : " إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب " [ يس : 11 ] . وقراءة العامة " منذر " بالإضافة غير منون ، طلب التخفيف ، وإلا فأصله التنوين ، لأنه للمستقبل وإنما لا ينون في الماضي . قال الفراء : يجوز التنوين وتركه ، كقوله تعالى : " بالغ أمره " [ الطلاق : 3 ] ، و " بالغ أمره " و " موهن كيد الكافرين " [ الأنفال : 18 ] و " موهن كيد الكافرين " والتنوين هو الأصل ، وبه قرأ أبو جعفر وشيبة والأعرج وابن محيصن وحميد وعياش عن أبي عمرو " منذر " منونا ، وتكون في موضع نصب ، والمعنى نصب ، إنما ينتفع بإنذارك من يخشى الساعة . وقال أبو علي : يجوز أن تكون الإضافة للماضي ، نحو ضارب زيد أمس ، لأنه قد فعل الانذار ، الآية رد على من قال : أحوال الآخرة غير محسوسة ، وإنما هي راحة الروح أو تألمها من غير حس . " كأنهم يوم يرونها " يعني الكفار يرون الساعة " لم يلبثوا " أي في دنياهم ، " إلا عشية " أي قدر عشية " أو ضحاها " أي أو قدر الضحا الذي يلي تلك العشية ، والمراد تقليل مدة الدنيا ، كما قال تعالى : " لم يلبثوا إلا ساعة من نهار " [ الأحقاف : 35 ] . وروى الضحاك عن ابن عباس : كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا يوما واحدا . وقيل : " لم يلبثوا " في قبورهم " إلا عشية أو ضحاها " ، وذلك أنهم استقصروا مدة لبثهم في القبور لما عاينوا من الهول . وقال الفراء : يقول القائل : وهل للعشية ضحا ؟ وإنما الضحا لصدر النهار ، ولكن أضيف الضحا إلى العشية ، وهو اليوم الذي يكون فيه على عادة العرب ، يقولون : آتيك الغداة أو عشيتها ، وآتيك العشية أو غداتها ، فتكون العشية في معنى آخر النهار ، والغداة في معنى أول النهار ، قال : وأنشدني بعض بني عقيل : نحن صبحنا عامرا في دارها * جردا تعادي طرفي نهارها * عشية الهلال أو سرارها * أراد : عشية الهلال ، أو سرار العشية ، فهو أشد من آتيك الغداة أو عشيها .